خارج دوائر الوهم
كتلك الدوائر الصغيرة التي يحدثها حجر القى به طفل الى بقعة ماء , هي دوائر الوهم التي نعيش في رحمها , وتتحلق حولنا بقسوة لا تشبه منظرها الجميل ,, فكم ابتسامة ترتسم على شفتي رجل نفرح بها ونبتهج لها ونقيس على بقائها نقاء قلبه , لولا ان التجربة تكشف لنا نقيض ما قرأناه.وكم أنثى عبوسة الوجه نخال مجرد أن نحييها جرماً يلقي بنا في مهاوي الردى , لولا أن كلمة لطيفة تخرجها من عبوسها " كما تخرج الكلمة الطيبة أفعى من جحرها", فيتبدل عبوسها بهجة وألقاً . وكم طفل ننظر اليه ونحسب في اذهاننا الشهور التي تؤهله للمشي على قدميه , ويعيينا الحساب لولا أنه يلملم ألعابه الصغيرة ويمشي من أمامنا على قدميه , وكم شاب وسيم جالس على طاولة أنيقة في مطعم , نصلي على النبي مرات ومرات ونحن نظنه لامس الكمال البشري لولا أن شقيقيه يحملانه بين أكتافهما ساعة الخروج. وكم مريض نخشى الا تكمل عقارب الساعة دورتها قبل ان يموت ,, ولكنه يشهد مراسم دفن بعضنا ," وكم صحيح مات من غير علة وكم سقيم عاش حيناً من الدهر" .ونحن واهمون لا نقرأ من الحياة الا مشاهد فصولها مفتوحة الستائر , ونكتشف أميّتنا خلف ستائرها.
وكم شخص مرح مبتهج نشتري منه السعادة والسرور دون ان ندفع له فاتورة ذلك, ولكن أهله يدفعون بحزنه وعزلته كل الفواتير, وكم انسان نقرأ في عينيه الإنسانية قبل أن نقرأ في قلبه وحشاً كاسراً , وكم وحوش لا يلبث الزمن ان يكشف في دخائلهم عن أطفال ابرياء. ونحن واهمون نقرأ القشور دون اللب.
كم دائرة رسمية يأخذنا الوهم لنظنها مثالاً للنزاهة والشفافية , لولا أننا نكتشف أنها لموظفيها محطة نزهة ,, ومكان لا يشفّ الا عن محسوبيّة وفساد . وكم أخرى تخطف ابصارنا وهي تحتل مساحات واسعة من زمن جلوسنا أمام شاشة الأخبار , لولا أننا نكتشف انها لموظفيها ليست إلا معتقلاً يعيش فيه مسؤولها زمن السجون والبوابات والأسوار .وكم مؤسسة لا تحتاج سوى أن يعيد لها موظفوها بعض الاعتبار , وان ينفض مسؤولوها عنها بقايا أتربة وغبار. ونحن واهمون نقيس الأشياء بمظاهرها لا مخابرها.
كم هي كثيرة دوائر الوهم التي نعيش فيها ونسبح في محيطها , حتى أننا لا نملك ونحن نثبت دوائرنا الانتخابية على بطاقاتنا الشخصية ... ان ننجو من وهم الخدمة التي يرفعها مرشح هنا شعاراً ,أو وهم الصدق الذي تزيّن عباراته يافطات مرشح آخر دون ان تزيّن صدره .او وهمنا بمجلس نيابي من نوع آخر ...الا اذا كان المرشح الذي نفرزه هذه المرة من نوع آخر ويعيش خارج دوائر الوهم.
فادي الموّاج الخضير